السبت، 23 يونيو 2012

شـــرود روحـــ




مشهد 1:

يسألنى الناس لمَ روحك ندية لهذا الكم رغم أنك لا تلمسين الندى ؟
 كنت على يقين من الإجابة أكثر من يقين السؤال..


 كما تعودت شردت لا لتبحث عن الإجابة بل شردت لتقابلهم ،
"طفولة أرض شاخت برمتها و عبق ثرى أرّق خمدته "                                                      



كانت تلك الكلمات هى مصدر حديثهم  "زهى " و" هم " ذوو  حياة ممكنة لهم محرمة عليها  ..
-         كل ما فى الأمر إنى أحبهم يا أبى ، اتركنى لهم
-         كلا ، هذا اسمه تدهور لحالتك ، على الطبيب أن يراكِ .
-         أبى على الطبيب ألا يرانى ، أرجوك .
-         كفى عناد .
 ذهبت له
-         ما تشعرين هل يحدثك أحد بشىء الآن ؟
-         لا
-         قبل أن تأتى ، فى الليل ؟
-         لا
-         ساعدينى ، كى أشفيكِ.
-         لن تقوى.
-         هل هم أصدقائك ؟ تعرفينهم ؟
-         نعم ،أكثر من ذاتى .
-         اطلبى منهم ألا يتحدثوا فى أذنك بعد الآن .
-         لمَ؟     - لأنك تمرضين هكذا و إذا تركوكِ تشفين .
اطلب أنت أما أنا أبداً.

خرج الطبيب معها معلناً فشله فى التوصل لمعاهدة معهم مما أثار غضب الأب و فرحة الأم و الجدة .


:مشهد 2

ثلاثة شهور مضت ، و كما هى تحدثهم فى شرودها و تصمت مع والدهاا فى صحوتها .
لم يهدأ الأب و هو متسرع بطبعه ، أخذها ثانية لطبيب آخر ذاعت شهرته ،
و حكى له حالة بنيته و سهّل الطبيب من الوجد لدى الأب .
-         للطبيب مرة آخرى .
-         أنت تصدق حالك !! ردت زوجته .
هناك و مع المعدات التى لا قيمة لها أمام "زهى" أخذت تضحك من أبيها و من عدم فهمه و إصراره على فعل ما لا يحمد عقباه .

-         كم عمرك ؟
-         خمسة و أنت تعلم ما أجهله .
تحمس الطبيب أكثر و أردف : لمَ لا تعرفينى على أصدقائك و نلهو سوياً؟!
-         نحن لا نلهو فقط أتعلم حتى أراهم و أعلّم غيرى .
-         و ماذا تتعلمين ؟

-         ساستدعيهم .
غابت و لم تعد لكنها صارت تتحدث بصوت مسموع عما قبل :
سمع الطبيب كلمات طفولية منها لم يسمعها مذ دخولها عليه و قهقات هى الآخرى طفولية و فجأة صمت كلل انتظاره ، راح يجرب كل ما تعلمه فى الطب كى يعيدها للدنيا لكن ما من استجابة .
حار أكثر هى تتنفس دون حراك و لا يقوى على إعادتها مرة آخرى .
كتشخيصِِ طبى هى فى غيبوبة ، كتشخيص فى نظر الأم و الجدة هى الآن معهم يحتضنوها كما كانت تأمل و تلعب و تنام على كتفهم و لا تمل أبداً .
كانت الأم و الجدة تأملا فى أن يفهم الأب لكن ذات مساء فاض كيله و صرخ سائلاً ما سبب رضاء كل منهم ؟
أجابوا بأن "زهى" كانت على نقيضه ، منذ ولادتها و هى تنتظر الموت و لما علمت بأن جدها توفى فى نفس يوم ولادتها و أن توأمها كذلك ظلت تبحث عنهم حتى تراءى طيفهم لها و أخذت تداعب أرواحهم و هكذا طيلة شهور و كانت فى قمة زهدها للدنيا لإيمانها بأنها " ابنة موت" لكنك لم تستطع الفهم لأنك لم تجرب مرارة الثكل ، لم يكن أباك لتحزن و لا حملت ابنك لتحس بفقده ..

و هكذا صارت كطفولة أرض شاخت برمتها و عبق ثرى أرّق خمدتها

أيقونة غزل


وقتما تكون متاحة يهدأ  الشغف  و يُثرى حديث لا تقيده أية مواقيت
..
إنما شغف آخر يثير هذه الهادئة ،  إنها تتودد إليه لكن دون أن يعي أو بالأحرى لا يريد أن يعي
.
أن تراه دون أن يهتم لها ، أن تحدّثه دون أن يسمع لها ، أن يضنيها طول التصنع بعدم الاكتراث و هو كمن تجلّد و قد عقد
آلالاف الأيمان بألا يسكنها إليه

و لكنها ساكنة لا لشي ء سواه..
يعتريها السأم فتملّه و الحياة و إذ بها سرعان ما تتأرجح بين ما كان يجب أن تشعربه و بين ما يؤول بها الحال تجاهه

..
و قتما تكون متاحة يسكن روعها و يُنثر عطر المودّة الخالية من الود
..
 ليست  قسماته -التى تعتقد أنها تحملها دونما يشعر – هى فقط من يناديها فيه بل هناك الصوت الواهن الذى كأنما يحدّثها به كي تعلم أنه على يقين بوهنها ، هناك اللؤلؤتين اللتين تصدحان بشفاف روحها مذ أن أصبح يحتويها.
.

اقترحت عليه أن تهديه أيقونة غزل بذكرى المطر الذى لم يجمع شملهما لهذا الحين
فما كان منه إلا أن تنهد قائلاً : تمهلِ حتى أُنهى من أيقونة شغفى اللانهائى منك ِ .

ثم لملمت أطراف فستانها الغجري و سارت و هى تتمتم :سأحيا كي أسالم شغفك